ابن عجيبة
291
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال الشيخ ابن عباد رضى اللّه عنه : نور اليقين تتراءى به حقائق الأمور على ما هي عليه ، فيحق به الحق ، ويبطل به الباطل ، والآخرة حق ، والدنيا باطل ، فإذا أشرق نور اليقين في قلب العبد أبصر به الآخرة التي كانت غائبة عنه حاضرة لديه ، حتى كأنها لم تزل ، فكانت أقرب إليه من أن يرتحل إليها ، فحق بذلك حقها عنده ، وأبصر الدنيا الحاضرة لديه ، قد انكسف نورها وأسرع إليها الفناء والذهاب ، فغابت عن نظره بعد أن كانت حاضرة ، فظهر له بطلانها ، حتى كأنها لم تكن ، فيوجب له هذا النظر اليقيني الزهادة في الدنيا والتجافي عن زهرتها ، والإقبال على الآخرة ، والتهيؤ لنزول حضرتها ، ووجدان العبد لهذا هو علامة انشراح صدره بذلك النور . كما قال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « إنّ النور إذا دخل القلب انشرح له الصّدر وانفسح ، قيل يا رسول اللّه : هل لذلك من علامة يعرف بها ؟ قال : نعم . التّجافى عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزوله » « 1 » . أو كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - . وعند ذلك تموت شهواته وتذهب دواعي نفسه ، فلا تأمره بسوء ، ولا تطالبه بارتكاب منهي ، ولا تكون له همة إلا المسارعة إلى الخيرات ، والمبادرة لاغتنام الساعات والأوقات ، وذلك لاستشعاره حلول الأجل ، وفوات صالح العمل ، وإلى هذا الإشارة بحديثي حارثة ومعاذ - رضى اللّه عنهما - . روى أنس بن مالك رضى اللّه عنه قال : بينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يمشى إذ استقبله شاب من الأنصار ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « كيف أصبحت يا حارثة ؟ قال : أصبحت مؤمنا بالله حقا ، قال : انظر ما تقول ، فإن لكلّ قول حقيقة ؟ فقال : يا رسول اللّه عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلى وأظمأت نهارى ، وكأني بعرش ربى بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها ، فقال : أبصرت فالزم ، عبد نور اللّه الإيمان في قلبه . . » إلى آخر الحديث « 2 » . وروى أنس رضى اللّه عنه أيضا : أن معاذ بن جبل دخل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يبكى ، فقال له : كيف أصبحت يا معاذ ؟ فقال : أصبحت بالله مؤمنا ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ لكل قول مصداقا ، ولكل حق حقيقة ، فما مصداق ما تقول ؟ » فقال : يا نبىّ اللّه ، ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت أنى لا أمسى ، ولا أمسيت قط إلا ظننت أنى لا أصبح ، ولا خطوت خطوة قط إلا ظننت أنى لا أتبعها أخرى ، وكأني أنظر إلى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها ، معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون اللّه ، وكأني أنظر إلى عقوبة أهل النّار وثواب أهل الجنة . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « عرفت فالزم » . انظر بقية كلامه رضى اللّه عنه .
--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ( 7 / 362 ) . ( 2 ) سبق تخريج الحديث عند تفسير الآية 126 من سورة الأنعام .